أم عفرينية اتصلت بِنَا اليوم تستنجد بعد أن ضاقت بها الدنيا، وسدت بوجهها كل السبل. عبرت عن معاناتها بلهجة عفرينية، وقد كان الخوف مهيمنا على لكنتها المعبرة عن ألم عميق لا يُطاق، ويفوق كل درجات الاحتمال. وبدأت تسرد قصتها مع إطلاق الآهات الممزوجة بالبكاء. قصة هذه الأم هي على الشكل التالي
خطف ابنها ذو الإثنين والعشرين عاما في مدينة عفرين منذ عشرين يوما، وبحثوا عنه في كل مكان فلم يجدوا له أثرا، لكنهم لم يستسلموا بعد أن علموا بأنه يجب عليهم اتباع طرق أخرى للبحث، والاستفسار عن ابنهم. بالفعل وبعد أن تم دفع مبالغ طائلة استطاعوا أن يتأكدوا أن ابنهم معتقل في أحد سجون عفرين، ثم قاموا بدفع رشاوى ومبالغ كبيرة إلى أصحاب الشأن والمسؤولين عن هذه السجون، لتأمين زيارة قصيرة جدا لا تتجاوز بضع دقائق، وقد اقتصرت على الأم فقط. نحن نعلم حجم الظلم الذي يتعرض له أهل عفرين الذين هم خارج أسوار السجون، فكيف يكون الأمر عليه لمن هم داخل هذه الأسوار، فالقلم يعجز كما حال اللسان عن وصف مآسيهم التي تقهر الرجال والآباء، وتحطم قلوب الزوجات والأمهات كما هي قلب هذه الأم، فلم تكن هذه الأم استثناء، فقد انكسر قلبها لما رأته عيناه. فقد جلبوا لها ابنها مجردا من ثيابه باستثناء لباس داخلي يغطي عورته، أما جسده الفتي فقد كان مشوها نتيجة تعرضه للضرب والتعذيب والصعق بالكهرباء. فما كانت من الأم إلا أن تجهش بالبكاء وتقول: ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ولَم ألتق بك وأنت في هذه الحال يا فلذة كبدي. في حين اكتفى الابن بإظهار يده المحروقة، ربما بصعق الكهرباء أو بأية مادة حارقة لا ندري، وهو يضحك من شدة الهول، وما يعانيه الفتى من اضطرابات لما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي داخل السجن قائلا

( Ane min ji vir derxîn e heya zarokê min bifrośe tu ćidikê bike bes min ji vir derxîne)

أمي اخرجيني من هنا، بيعي كل شيء حتى أولادي، أتوسل إليك أمي. هنا تنتهي الزيارة وقد حقق الجلادون مرادهم ومبتغاهم من هذه الزيارة والرسالة، وهم يعرفون معرفة تامة ببراءة الشاب، ولكنهم إلى المزيد من المال طامحون، وإلى تحقيق رغبة سيدتهم تركيا ماضون.
هذه قصة واحدة من قصص التعذيب، والاختفاء القسري، والقتل، وغيرها من الانتهاكات التي يتعرض لها أهلنا في عفرين بشكل يومي على أيدي الفصائل العسكرية المختلفة التي تعمل تحت إشراف وقيادة الدولة التركية التي تسعى إلى تفريغ منطقة عفرين من سكانها الأصليين بشتى الوسائل المروعة، وإحداث تغيير ديمغرافي فيها.
ألم هذه الأم كبير، وثقيل بحجم الجبال، لذلك أعرض مناشدتها على الجميع، وأخاطب كل إنسان يملك ضميرا إنسانيا حيّا، وكذلك الأحزاب واللجان والهيئات الدولية والمؤسسات الحكومية، والمنظمات غير الحكومية على أخذ موضوع الانتهاكات الخطيرة الواسعة لحقوق الإنسان في عفرين على محمل الجد، وإجراء كل ما يلزم لإيقاف هذه الانتهاكات، ومن بينها معاناة هذه الأم وابنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You missed