منذ حوالي ربع قرن، أي مع سقوط وتفكك الإتحاد السوفيتي السابق، وبالتالي تصدع النظام العالمي، المتشكل بعد الحرب العالمية الثانية، يجري الحديث بإستمرارعن إنقسام العديد من الدول في الشرق الأوسط، وذلك بمناسبة موضوعية، أو بدونها، فقط من باب التهويل والإستثمار السياسي والأيديولوجي
 بعد تصاعد الإنتفاضة السورية، منذ ربيع عام 2011، وحتى مآلها المأساوي الراهن، لم ينقطع الحديث ولا التنظير حول الإنقسام المحتمل لسورية. هذا التخوف والإحتمال متوقع بنفس النسبة التي تبدو وحدتها واردة، بل ممكنة
   ففي جزئية توحد أو تصدع دولة سورية التي تشكلت وإرتسمت حدودها في ظل النظام الكولونيالي الأوربي بعد الحرب العالمية الأولى، وبالتالي ولادتها من آخر إمبراطورية “تركية – إسلامية” ، ينبغي التذكير بأهمية أرض سورية أو بصيغة جغرافية أكثر تحديدا (بلاد الشام) كممر للحكم العثماني، ونافذة رئيسة لتركيا على العالم العربي. لقد حافظت هذه الجغرافية على أهميتها المطلقة لتركيا العثمانية ومن ثم الجمهورية. لم تنسى تركيا هذه الرقعة المجاورة التي حكمتها أربعة قرون، ولم تغمض العين عن المتغيرات السياسية فيها ولو ليوم واحد، لذلك تفاعلت هذه الرؤية بإستمرار مع  ظاهرتي التنافر والوحدة  – الإندماج الوطني على أساس سوري (دولتي)، أو عربي أيديولوجي – سياسي، وبالتالي ظلت تركيا  تعاني من حساسية عالية إزاء المتغيرات السياسية في الداخل السوري. وهي كذلك اليوم، وخاصة بعد الفعل المدمر للنسيج الإجتماعي والوطني السوري. إذ لم تعد سورية دولة قائمة على كامل جغرافيتها، ولم تعد السلطة المركزية فيها تمتلك القوة والمشروعية لإعادة بسط سلطتها السابقة. 

 أن ظاهرة الإنقسام السوري على أرض الواقع لم يحدث على خلفية إشكال العلاقة مع الجارة تركيا، ولم يكن بفعل العنف السياسي ذات البعد المجتمعي فحسب، بل في أحد أوجهه عائد إلى القابلية المستمدة من الجذور غير الموحدة للمجتمع السوري نفسه. فثمة حقيقة ينبغي الحديث عنها بجرأة تامة، لتوصيف جوانب من البيئة الاجتماعية والثقافية والروحية لمجتمعات سورية قديمة، وبخاصة قبل وأثناء مجيئ الإسلام.

 سورية عكس السرديات التبسيطية الأيديولوجية والسلطوية الرائجة، والتي ترسخت في الأذهان، لم تكن عربية بمجتمعاتها القديمة، بمعنى كان هنالك إختلاف شبه تام بين المجتمعات السورية القديمة، أو مجتمعات غرب البحر الأبيض المتوسط ومجتمعات قلب الجزيرة العربية وجنوبها. بعد الإسلام، لم تغيب وتختفي تلك الإختلافات الجوهرية، بل تبلورت ككيانات إجتماعية محلية في العهود اللاحقة، كما تمظهرت على أسس معتقدية محلية، دينية كالمسيحية والإيزيدية، وطائفية (السنية، العلوية، الاسماعيلية، الدرزية)، فضلا عن القومية كالعرب والأكراد، وما قبل قومية، كالحورية والفينيقة، وكذلك بقايا يونانية – رومانية، إضافة إلى آرامية – سريانية، إلى آخر تفاصيل وموروث الإختلاف والتنوع في المشهد الأثنو- تاريخي المعروفة لكل المهتمين ودارسي تاريخ المشرق. لاحقا ما زاد من تعقد وتراكب المجتمعات في غرب المتوسط، أن بلاد الشام قد إنفتحت تماما على العالم الخارجي في مراحل الحكم العربي – الإسلامي.

بعد إنتهاء الحكم العثماني، تشكلت سورية المعاصرة بقرارات كولونيالية أوربية صرفة، مراحلها موثقة في المعاهدات والإتفاقات الدولية، حيث إستمر تعديل حدودها حوالي 15 سنة، خاصة من جهة الشمال والشمال الغربي والشرق، أي من منطقة سنجار وحتى آخر نقطة في لواء اسكندورون، قرب بلدة كسب. هذا التعديل موثق أيضا بالمعاهدات الدولية وخطوط هذه التعديلات مدونة على الخرائط المعنية.

لقد ورثت السلطات الحاكمة في دمشق، موضوعيا سياسية (ما تحت كولونيالية)، من حكومة الإنتداب الفرنسي، ومارست هذه السياسة وأعادت إنتاجها لإدارة المجتمع السوري المركب، ضمن إطار دولة مستحدثة وهشة، وذلك بصيغ ومستويات متفاوتة. فقد طال أمد بسط سلطاتها على الأرياف النائية، وكان آخر هذه المناطق، منطقة الجزيرة السورية التي إستكملت ضمها عام 1946، كما تطلب جمع السلاح من العشائر والجبليين فترة طويلة، حتى تم إحتكار السلطة والسلاح بيد حكومة دمشق المركزية.
 سياسيا تم ممارسة الإقصاء فالإضهاد السياسي الممنهج بحق الكورد، بصفتهم العنصر القومي الثاني في البلاد، والذي تثبت السرديات التاريخية العربية الاسلامية وقبلها اليونانية – الرومانية وجودهم في شمال وغرب سورية قبل الإسلام بقرون، وبموجب هذه السياسات تم إزاحة نخبهم العسكرية من مفاصل الحكم، بصفتها شريحة ورثت حكم أغلب مناطق بلاد الشام عن أجدادهم، سواء في العهد الأيوبي أم ما بعده.

وعندما تفاقمت الصراعات السياسية والأيديولوجية في سورية بعد أعوام الخمسينات من القرن الماضي، تم التعامل عمليا مع الكورد كشعب مستعمر، يمكن إدراج حالتهم ضمن خانة (كولونيالية الجوار)، وخاصة في سياق عملية ضم منطقة “الجزيرة” إلى سورية “الشامية” بمساعدة بريطانية وضغط تركي صريح عام (1946)، وإلغاء إمتيازاتها الخاصة (الحكم الذاتي)، والبدء بعمل توطيني ممنهج لتغيير ديمغرافيتها، تحت شعار إسكان البدو.

وفي موازاة ذلك تم التعامل مع منطقتي الساحل وجبل الدروز، ذات الخصوصيات الطائفية والاجتماعية، بمستوى سطحي من العمل الإندماجي الأيديولوجي السياسي العروبي.

 كما تم عمليا الإنتقام من التركمان وتهميشهم بوصفهم بقايا للإستعمار التركي، فإندمج قسم منهم مع جيرانهم الكورد، والقسم الأكبر مع المجتمع العربي الأوسع.

 في سياق عملية صراع سياسي –اجتماعي معقدة على السلطة وداخل فضائها، تم الهبوط من السياسات العروبية – القومية، ذات المسحة ما (تحت الكولونيالية) المستعارة من الغرب الأوربي نحو شكل من أشكال الطائفية الشعبية المرنة، لدعم مواقع الأقرباء وتشكيل الحاشية، وصلت في نهاية المطاف إلى سوية طائفية سياسية، مقنعة غير معلنة، كامنة وقابلة للتفجر. 

المسيحيون إنقسموا بدورهم على تيار داعم للاندماج العروبي، أخذت عندهم منحى أكثر عنصرية، للمزايدة على المسلمين العرب، وتيار آخر يدعو إلى الخصوصية السورية المشرقية، إضافة إلى بروز تيار قومي – أثنو ثقافي يدعو إلى القومية الكلدو آشورية السريانية، خاصة في منطقة الجزيرة السورية.

 في سياق فشل مؤسسات الدولة الحديثة في القيام بوظيفتها الموضوعوية الحيادية إتجاه مواطنيها، تفاقمت الممارسات ماتحت الوطنية والجهوية إلى أن أدت إلى إنقسام العرب السنة على أنفسهم، حضر من بقايا المجتمعات المدينية ذات الأرث العثمانوي، وإلى قبائل ريفية وبدو. بدأ الانقسام ووعي التفاصيل يتسرب إلى كتلة الحضر الذين، إنقسموا من جديد الى مستعربون هم من يملك مقاليد الحكم تاريخيا في سورية، ذات أصول (كردية، تركية، شركسية…) وعرب يجتهدون في وصل أنسابهم بالعرب الأقحاح، ودائما كان الفرز الاجتماعي الاقتصادي الطبقي يتفاعل لترسيخ التباينات وعدم تحقيق الإندماج الكامل. أما في المشهد العربي الريفي خارج المدن، وهو الخزان البشري الأساس للجذور الاجتماعية العربية في بلاد الشام، إنقسمت هذه المجتمعات إلى بدو، عرب أقحاح قادمون من الجزيرة العربية في القرون الثلاث الأخيرة، وهم مازالو يحتفظون بنسبهم وكامل خصوصيتهم، ويعدون أنفسهم ضمنا كطبقة نبلاء إجتماعيا وعرقيا، ينبغي أن تجد معادلها السياسي. (كدراسة حالة، الشيخ حميدي دهام الهادي الجربا، وهو أحد أبرز شيوخ عشيرة شمر في الجزيرة السورية، كان يذكرني دائما، ومنذ حوالي 20 سنة أنه أحق بحكم سورية من آل الأسد، وهو حاليا الحاكم المشترك لمقاطعة الجزيرة ، حسب منظومة الإدارة الذاتية، وقائد قوات الصناديد الفعلي). فالبدو ابتعدوا عن العشائر العربية الأخرى، خاصة الفلاحية التي لها تاريخ أقدم في الريف السوري.

 وعلى الرغم من كل سلبيات حزب البعث، إلى أن حركته في الإطار العام حفزت جماعات ريفية وقبلية عربية للإنخراط في الشأن العام – خاصة الشريحة الأخيرة – وربطتها بمنظومة حزبية تساهم في الإندماج الوطني على أساس عروبي، وتشكلت شريحة واسعة متجاوزة ظاهريا الطوائف والعشائر في الريف، خاصة بعد تطبيق الإصلاح الزراعي بعد عام 1963. لكن من جانب آخر قد رسخ البعث الممارسة الطائفية والحكم العسكري، حيث أنعش البعث الطائفية بجوانبها الاجتماعية الثقافية أولا، وبالتالي الأيديولوجية ما تحت الدينية، وتمظهر ممارساته في رداء مخادع، يرغب ظاهريا في تجاوز نفسه حسب شعاراتها من جهة، وفي إلغاء الآخر من جهة أخرى، بحسب سياسات البعث وشموليته. في المحصلة لم تكن السياسات السلطوية السورية في خطها العام، إلا وفية لآليات الإقصاء، كموروث سلطوي مترسخ، لكن البعث أوصل الإقصاء إلى مستويات العداوة والإقتتال، فالجرائم ضد السوريين، بدءا بأواخر عقد السبعيانات من القرن الماضي.

  في مقابل الفعل المدمر للسلطة برزت في الساحة السورية مؤخرا عامل مدمر آخر للنسيج الوطني – الإجتماعي، فقد تكونت مهنة جديدة في ظل مناخ الحرب والإرتزاق من وراء حمل السلاح، وتفشت الثقافة الميلاشيوية التي بدأت تترسخ في سورية بعد عسكرة الانتفاضة الراهنة، تحتكر العنف وتمارس السلطة محليا. وأول نتائجها هي منع عودة سلطة سورية مركزية مستقرة  في الأمد القريب.
  وفي نفس السياق من الصعب أن تبدأ المرحلة الانتقالية بعدالتها وبآليات تحولها السياسي نحو الديمقراطية المطلوبة بالسرعة المتوقعة، فعلى الصعيد الاجتماعي – الجهوي، ينبغي عدم الاستهانة بالاختلافات الجوهرية القديمة والكامنة في المجتمع السوي، ولا الإستخفاف بكل هذا الدم الذي هدر.

   النظرة الأولى للمشهد الراهن، تشجع على الإفتراض القول أن لدى السوريين مازال ما يكفي من المشتركات لكي يواصلوا حياتهم في ظل حكم سياسي موحد، كما لديهم من المآسي ما يكفي لتدفع كل طرف لعدم الثقة بالطرف الآخر، وعدم ترجمة ذلك في تخويل سياسي سريع. فبالقدر الذي يرغب أغلب السوريين فيه للعيش معا، هنالك من العوامل التي تشجع على التفارق والتباعد، فلم يعد الحديث عن سورية موحدة قادمة منطقيا، ولا الإعلان عن نهاية العنف يبدو سهلا، فالمشهد في غاية التعقيد، وهو بالضبط ما سهل من تفاقم الإرث التاريخي المؤسس للاختلاف، وخاصة في ظل غياب مؤسسة معارضة فاعلة وموحدة.

وكنتيجة أولية، ليست مستمدة نظريا من قراءة الماض السوري بل عمليا من معطيات الواقع، من الصعوبة أن تتحد سورية في ظل الشعار – الأيديولوجيا العروبية الفضفاضة السابقة، والذي نسفت من قبل حواملها الإجتماعية والسياسية قبل غيرها، ولا تحت شعار الإسلام السني الأكثر إتساعا، بل ينبغي البحث عن الروابط والمشتركات الاجتماعية الأخرى وما تبقى من الإرادة السياسة في العيش المشترك، وصياغتها دستوريا بهدف الحفاظ  على مصالح وكرامة كل مكونات المجتمع السوري الكبير.

يبدو أن الطريق الوحيد والممكن للحفاظ على الرابطة السورية التي تشكلت عبر 80 سنة، ولم ترتقي الى الصيغ الوطنية العميقة، تكمن في تفكيك آليات العنف، وإزالة مبررات التحارب أولا، وخلق الطمأنينة لدى المجتمعات المحلية لإدارة نفسها ثانيا، والتأسيس من جديد لبناء دولة إتحادية مرنة دستورية، مدنية وبرلمانية، تتوزع فيها الصلاحيات بشكل كبير، سواء بين السلطات المركزية الثلاث التشريعية والتنفيذية والرئاسية، أو على مستوى منح صلاحيات واسعة للسلطات والحكومات المحلية. وهي محاولة لا بد منها لتستمر الرابطة السورية، وتبقى خطوط وحدود دولة سورية قائمة على الخارطة.

 من منظور إقليمي ودولي، ثمة صعوبة حقيقية أن تنقسم سورية في السنوات القليلة القادمة، سواء على الساخن في ظل الحرب، أم على البارد بالتوافق الاقليمي والدولي، لأن عملية التقسيم ستغير أشكال الدول المجاورة أيضا وتحقق خللا في التوازن الإقليمي.

  ولتلمس الحل ينبغي أن لا نستسهل عملية عودة وإندماج سورية تماما، وخاصة بالصيغة التي كانت عليه عام 2010 ، من مركزية تامة وصلابة. لأن الحرب التي مرت بها سورية أكبر من أي حرب مر على أي بلد، وخطورتها أنها بعوامل داخلية وعلى خلفيات اجتماعية وسياسية وايديولوجية ما زالت قائمة. لذلك على الحالمين بكل كعكة سورية، سواء من قبل بعض مكوناتها الداخلية، أو حكام دمشق الذين إرتفعت نبرة غرورهم من جديد، أو جهات إقليمية، أن يعيدوا النظر بحساباتهم، ويخففوا من جنوح خيالهم، فالذين ضحوا في سبيل العدل والحرية والمساواة، لن يرضوا بالعودة الى نفس الشروط وظروف الإستبداد التي أنتجتها، والأهم من كل ذلك أن الأساطير الأيديولوجية التي أسست “للرابطة السورية” وحكم بإسمها حكام طغاة، قد ماتت تحت خيام ملايين المشردين، من كل جهات سورية.

 سورية بحاجة إلى صيغة جديدة للإنتماء، صيغة تخلو من المزايدات والرومانسيات، فيها الكثير من الواقعية والبراغماتية، ومؤسسة بما يتوافق مع المصالح المشتركة لكل مكوناتها، وبالتالي يكون الإنتماء السياسي إلى (إقليم سوريا) قانونيا ودستوريا هو الأساس والراجح أكثر من أي انتماء طائفي أو قومي، فدولة سورية من الممكن أن تبقى بشرط أن تشكل مظلة جديدة تنصب على أسس قانونية وسياسية جديدة وواضحة، وخير مدخل لذلك أن تكون دولة إتحادية مرنة، واعية لكيفية إستيعاب أطرافها ومكوناتها، وحريصة على الإحتفاظ بهم عن طريق حماية مصالحهم وكرامتهم. هذا وقد لامست آراء سورية عديدة هذا الموضوع، وخاصة مقاربة ( السيد بسام القوتلي المبكرة والجادة بإقتراحه نظام الفدرالية الإدارية الموسعة كحل لسورية المستقبل، في الجمهورية للدراسات 27 أكتوبر 2013). فقد يتحقق حلم الوحدة والتعايش في ظل نظام إتحادي خاص، وليس تحت سلطة مركزية صلبة. إذ بينت أغلب التجارب المشابهة أن السلطة الصلبة ستكون بالضرورة إقصائية،ومولدة للإستبداد، وبالتالي سنكون أمام ظاهرة العودة الى الماض القاسي، وإلى تسويق الأكاذيب الكبرى، التي تسببت في هذه الحرب السورية، كما غيرها من الحروب الأهلية والإستعمارية.

 لذلك من المفضل أن تنصب المفاوضات والحوارات السورية المزمع عقدها في جنيف(3) هذه الأيام، أولا على وقف العنف والقتل، ومن ثم التركيز على بنية الدولة السورية، والتأكيد على إتحاديتها ومرونتها في مواجهة سطوة وصلاحيات المركز، قبل التطرق لأي موضوع آخر، وبصرف النظر عن الجهة التي ستكون صاحبة القرار في المركز.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية‬‬‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You missed